مقدّمة

لمفومة هودجكين هي نوع من السرطان الذي يبدأ في خلايا الجهاز المناعي. والجهاز المناعيّ يقاوم الأمراض المعدية والأمراض الأخرى. تنشأ لمفومة هودجكين عندما تصبح خلايا من الجهاز المناعي شاذّة، وتبدأ بنسخ نفسها بطريقة غير مضبوطة. تعدّ لمفومة هودجكين قابلةً للمعالجة إلى حدّ كبير.

يمكن شفاء معظم الناس الذين يوضع لهم تشخيص الإصابة بلمفومة هودجكين هذه الأيّام، أو يمكن السيطرة على مرضهم لسنوات عديدة. يشرح هذا البرنامج التثقيفي لمفومة هودجكين، كما يشرح أسبابها، وأعراضها، والأساليب المتاحة لمعالجتها.

لمفومة هودجكين وأسبابها

داء هودجكين هو نوع من اللمفومة، واللمفومات هي سرطانات تحدث في الجهاز اللمفي، بدءاً من خلايا الجهاز المناعي البائيّة. تحوي الخلايا مادّة وراثيّة أو جينيّة تدعى الصّبغيّات. وتتحكّم الصّبغيات بنموّ الخلايا وتكاثرها. تنمو الخلايا الطبيعية في الجسم وتموت وفق آلية مضبوطة.

تفقد الخليّة قدرتها على التّحكم بنموّها وتكاثرها عندما تصبح صبغيّاتها شاذّة. تبدأ خلايا من الجهاز المناعي عند الإصابة بلمفومة هودجكين بالتكاثر على نحو شاذّ. وتدعى الخلايا الشاذّة في معظم حالات لمفومة هودجكين خلايا ريد ستيرنبيرغ.

تنقسم الخلايا الجديدة مرّات ومرّات، منتجة المزيد من الخلايا الشاذّة. ولا تموت الخلايا الشاذّة عندما ينبغي عليها أن تموت. وهي لا تحمي الجسم من الأمراض المعدية أو الأمراض الأخرى. ويؤدّي تراكم الخلايا الزائد غالباً إلى تشكّل كتلة من النسيج تدعى تنشّؤاً أو ورماً. يمكن أن تطرأ التغيّرات على المادّة الجينيّة نتيجة أسباب متعدّدة.

وتكون هذه التغيّرات وراثيّة في بعض الأحيان. قد تطرأ التغيّرات على الصّبغيّات أيضاً نتيجة للتعرّض لعدوى، أو استعمال أدوية معيّنة، أو التبغ، أو مواد كيميائيّة، أو عوامل أخرى. ومن عوامل الخطر الأخرى للإصابة بلمفومة هودجكين:

  • العمر.
  • قصة عائليّة للإصابة باللمفومة.
  • الجنس: إذ إنّ الذكور أكثر تعرّضاً للإصابة من الإناث.
  • سوابق إصابة بفيروس إيبشتاين ـ بار وضعف الجهاز المناعي.

هناك نوعان رئيسيّان من لمفومة هودجكين: لمفومة هودجكين الكلاسيكيّة ولمفومة هودجكين العقيديّة التي تسيطر فيها اللمفاويّات. إنّ معظم الناس المصابين بلمفومة هودجكين يكون لديهم النوع الكلاسيكي.

ويبدأ النوع الكلاسيكي عندما تصبح اللمفاويات، البائيّة عادةً، شاذّة. أمّا لمفومة هودجكين العقيديّة ذات اللمفاويّات المسيطرة فهي نوع نادر من لمفومة هودجكين. وتدعى الخلايا الشاذّة فيها "الخلايا الفشاريّة". وقد يعالج هذا النوع بطريقة مختلفة عن النوع الكلاسيكي.

يمكن أن تنشأ لمفومة هودجكين في أيّ مكان من الجسم تقريباً، ذلك أنّ النسيج اللمفي موجود في كثير من أجزاء الجسم. وهي أوّل ما توجد في عقدة لمفيّة أعلى الحجاب الحاجز، وهو العضلة الرقيقة التي تفصل الصدر عن البطن. ولكنّ لمفومة هودجكين يمكن أن توجد في مجموعة من العقد اللّمفيّة أيضاً. ويمكن أن تبدأ في بعض الأحيان في أجزاء أخرى من الجهاز اللمفي.

العلامات والأعراض

العرض الأكثر مشاهدة للمفومة هودجكين هو تورّم غير مؤلم في العقد اللمفية في الرقبة أو تحت الإبط أو المنطقة الأربية. وقد يكون من الأعراض المألوفة الأخرى:

  • الحمّى والنوافض.
  • تعرّق ليلي غزير.
  • وهن وتعب.
  • خسارة وزن غير مفسّرة.
  • اضطراب التنفّس، أو سعال، أو ألم صدري.

ومن الأعراض الأخرى:

  • يصبح المريض أكثر حساسيّة لتأثير الكحول، أو يشعر بألم في العقد اللمفيّة بعد تناول الكحول.
  • تعب مستمر أو دائم.
  • حكّة.

قد لا تكون هذه الأعراض ناجمةً عن لمفومة هودجكين بالضرورة. ولكن، يمكن أن تسبّب الأمراض المعروفة، كالأمراض المعدية أو الأنفلونزا، أعراضاً مشابهة. يجب مراجعة الطبيب إذا استمرّت هذه الأعراض أكثر من أسبوعين.

التشخيص

يحاول الطبيب، عندما يكون لدى المريض عقد لمفية متورّمة أو غير ذلك من الأعراض التي قد توحي بالإصابة بلمفومة هودجكين، أن يعرف ما الذي سبّب هذه المشكلة، وربّما يسأله عن تاريخه الطبّي الشخصي والعائلي. يقوم الطبيب أيضاً بفحص العقد اللمفية في رقبة المريض وتحت إبطه وفي المنطقة الأربية.

كما أنّه قد يتحرّى عن وجود ضخامة في الكبد أو الطحال أيضاً. قد يطلب الطبيب إجراء تعداد دم كامل CBC؛ فتعداد الدم الكامل يمكن أن يعطي معلومات حول عدد ونوعيّة كلّ نمط من خلايا الدم. قد يطلب الطبيب فحوصاً أخرى، مثل التصوير الطبقي المحوريCT scan، والتصوير بالرنين المغناطيسي MRI scan، والتّصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET scan، والتصوير بالأشعّة السينية، وأخذ خزعة من عقدة لمفية (اختزاع عقدة لمفية).

وقد تطلب صور للصدر بالأشعّة السينية للبحث عن عقد لمفية متورّمة أو غير ذلك من علامات اللمفومة في الصدر. وهي تجرى لمعرفة مدى انتشار الإصابة، وهو ما يعرف باسم تصنيف المراحل. تعدّ الخزعة هي الطريقة الوحيدة المؤكّدة لتشخيص لمفومة هودجكين.

وهناك أنواع متعدّدة للخزعة. قد يتمّ، في حالة الرشف بالإبرة الرفيعة، إدخال إبرة في العقدة اللمفية، وسحب عيّنة صغيرة من الانسجة والسّوائل من أجل الدراسة التشريحية المرضية. ولكن، لا يمكن بهذه الطريقة الحصول على عيّنة كبيرة بما فيه الكفاية من أجل تشخيص لمفومة هودجكين.

تؤخذ قطعة صغيرة من العقدة اللمفية عبر شقّ جراحيّ في حالة الخزعة الاقتطاعية. أمّا في حالة الخزعة الاستئصالية، فيجري استئصال العقدة اللمفية بكاملها مع بعض من النسيج الذي يحيط بها عبر شقّ جراحي. وهذه الطريقة هي الأفضل للحصول على عيّنة كافية من أجل التشخيص.

يستخدم اختصاصي التشريح المرضي مجهراً لفحص النسيج للتحرّي عن خلايا لمفومة هودجكين. ويكون لدى الشخص المصاب بلمفومة هودجكين عادةً خلايا شاذّة كبيرة تسمّى خلايا ريد ستيرنبيرغ. وهي غير موجودة عند المصابين باللمفومة اللاهودجكينيّة.

تصنيف المراحل

المرحلة هي مؤشّر على مدى انتشار المرض، حيث ينطوي تصنيف المراحل على عدّة إجراءات لتقرير أجزاء الجسم التي قد أصيبت بالمرض. ويمكن أن تحدّد المعالجة استناداً إلى المرحلة التي بلغها السرطان.

تميل لمفومة هودجكين إلى الانتشار من مجموعة عقد لمفيّة إلى المجموعة التالية؛ فإذا بدأت لمفومة هودجكين في مجموعة العقد اللمفيّة الرقبيّة مثلاً، فإنّها قد تنتشر بادئ ذي بدء إلى العقد اللمفيّة فوق الترقوة، ثم إلى العقد اللمفيّة تحت الإبطين وضمن الصدر. يمكن أن تقوم لمفومة هودجكين مع مرور الوقت بغزو الأوعية الدمويّة، وتنتشر إلى أيّ جزء من الجسم تقريباً؛ فهي يمكن أن تنتشر مثلاً إلى الكبد والرئتين والعظام ونقي العظام.

قد يحتاج التصنيف إلى إجراء تصوير طبقي محوري CT scan، وتصوير بالرنين مغناطيسي MRI scan، وتصوير مقطعي بالإصدار البوزيتروني PET scan، وأخذ خزعة من نقي العظام. وقد يوصي الطبيب بأخذ خزعات من عقد لمفية أخرى أيضاً، أو من الكبد، أو غير ذلك من انسجة الجسم.

يعتمد تحديد المرحلة على عدد العقد اللمفيّة التي توجد فيها خلايا لمفومة هودجكين، وفيما إذا كانت هذه العقد على جانب واحد أم على جانبي الحجاب الحاجز، وإذا ما كان المرض قد انتشر إلى نقي العظام، أو الطّحال، أو الكبد، أو الرئة.

والحجاب الحاجز هو عضلة كبيرة رقيقة تفصل الصدر عن البطن. وهو ذو أهمّية بالغة في عمليّة التنفّس. توصف المراحل عادة باستخدام الأرقام من واحد إلى أربعة، بحيث يشير الرقم الأدنى إلى مرحلة مبكّرة أكثر من المرض.

المرحلة 1: توجد خلايا اللمفومة في مجموعة واحدة من العقد اللمفيّة (كمجموعة العقد الموجودة في الرقبة أو تحت الإبط مثلاً). وإذا لم تكن الخلايا الشاذّة موجودة في العقد اللمفيّة، فإنّها تكون موجودة في جزء واحد فقط من نسيج أو عضو ما (كالرئة مثلاً).

المرحلة 2: تكون خلايا اللمفومة موجودة في مجموعتين على الأقلّ من العقد اللمفيّة في جانب واحد من الحجاب الحاجز (سواء أكانتا فوقه أو تحته)، أو أنّ خلايا اللمفومة موجودة في جزء واحد من عضو ما وفي العقد اللمفية قرب هذا العضو (في الجانب نفسه من الحجاب الحاجز). وقد يكون هناك خلايا لمفومة في مجموعة أخرى من العقد اللمفية في الجانب نفسه من الحجاب الحاجز.

المرحلة 3: تكون اللمفومة في هذه المرحلة موجودة في العقد اللمفية فوق وتحت الحجاب الحاجز. وقد توجد أيضاً في أحد أجزاء نسيج أو عضو من الأعضاء (كالكبد أو الرئة أو العظام) قرب إحدى هذه المجموعات من العقد اللمفية المصابة. وقد تكون موجودة في الطّحال أيضاً.

المرحلة 4: توجد خلايا اللمفومة في هذه المرحلة في عدّة أجزاء من عضو أو نسيج واحد أو أكثر، أو أنّها تكون موجودة في عضو (كالكبد، أو الرئة أو العظم) وفي مجموعة عقد لمفيّة بعيدة في الوقت نفسه. يعدّ المرض راجعاً (أو ناكساً) إذا عاد ثانية بعد المعالجة. قد يقوم الطبيب بالإضافة إلى التصنيف السابق، بوضع الأعراض في مجموعتين أ ، ب أيضاً:

  • أ: لا يعاني المريض من خسارة وزن، أو من تعرّق ليلي غزير، أو من حمّى.
  • ب: يعاني المريض في هذه المرحلة من خسارة وزن، أو من تعرّق ليلي غزير، أو من الحمّى.

يكون لدى المرضى الذين يعانون من أعراض المرحلة (ب) مآل أسوأ من المرضى الذين يعانون من أعراض المرحلة (أ).

المعالجة

الهدف من معالجة لمفومة هودجكين هو قتل كلّ ما يمكن قتله من الخلايا الشاذّة. ويعتمد اختيار طريقة المعالجة على عوامل كثيرة. يناقش الطبيب طرق المعالجة المتاحة مع المريض قبل البدء بالمعالجة. تعتمد سبل المعالجة المناسبة للمريض على:

  • نوع لمفومة هودجكين التي يعاني منها (يكون لدى معظم المرضى النوع الكلاسيكي من لمفومة هودجكين).
  • المرحلة التي بلغتها هذه اللمفومة (أي المكان أو الأماكن التي وجدت فيها).
  • حجم اللمفومة: إذا كان قطرها قد تجاوز عشرة سنتيمترات.
  • عمر المريض.
  • فيما إذا كان المريض يعاني من خسارة وزن، أو تعرّق ليلي غزير، أو حمّى.

تكون معالجة لمفومة هودجكين إشعاعية أو كيميائية عادةً، وقد تستخدم كلتا الطريقتين في بعض الأحيان. وتعتمد قرارات المعالجة على المرحلة التي بلغها المرض، وموضعه في الجسم، وأعراضه التي ظهرت عند المريض، وعلى الحالة الصحّية العامّة للمريض وعمره. قد تستعمل المعالجة الإشعاعيّة في المراحل المبكّرة للمفومة هودجكين، ولكنّها تستعمل بعد المعالجة الكيميائيّة عادةً.

المعالجة بالبروتون لعلاج لمفومة هودجكن

على الرغم من أن معظم المرضى الذين يعانون من سرطان الغدد الليمفاوية هودجكين يتم شفاؤهم، إلا أنه تتطور لديهم العديد من الآثار الجانبية للعلاج ذات الصلة بكل من العلاج الكيماوي والإشعاع.

أظهرت دراسة حول الناجين من السرطان في مرحلة الطفولة أن الناجين من لفومة هودجكن هم واحدة من المجموعات الأكثر عرضة لخطر تطوير حالات صحية حادة أو مزمنة مهددة للحياة، وتحديدا السرطان أو مرض القلب. في الواقع، السببان الرئيسيان للوفاة بعد أكثر من 15 عاما من استكمال العلاج في لمفومة هودجكين عند الناجين من سرطان الغدد الليمفاوية هودجكن هي السرطانات الثانوية وأمراض القلب.

هذه المخاطر المتزايدة في السرطانات الثانوية وأمراض القلب من المرجح أنها نتيجة لآثار متأخرة من العلاج الكيميائي (خاصة بليوميسين وأدريامايسين) وكذلك من العلاج الإشعاعي.

بما أن المعالجة بالبروتون هي طريقة أكثر دقة من العلاج الشعاعي، فمن المرجح أن تسبب أمراض القلب والسرطانات الثانوية بنسبة أقل بكثير من العلاج الشعاعي التقليدي.

وتظهر الصورة شريحة محورية CT عبر القلب (الأحمر) لمريض لمفومة هودجكين التي تتضمن المنصف.

على اليسار خطة الأشعة السينية وعلى اليمين خطة البروتون. الخط الأزرق الداكن في كل من هما يمثل الورم و المنطقة المستهدفة بالإشعاع.

يمثل الخط الأخضر الحجم من الجسم الذي يتلقى 95 في المئة من إجمالي الجرعة الموصوفة من الإشعاع، بينما يعكس الخط الأزرق الفاتح الحجم من الجسم الذي يتلقى 10٪ من الجرعة الموصوفة الكلية من الإشعاع.

كما هو واضح، مع الإشعاع التقليدي (يسار)، تودع الأشعة السينية كمية أكبر من الإشعاع في القلب والثديين من خطة البروتون. في الواقع، خفضت خطة البروتون الجرعة المتوسطة الواصلة إلى القلب بنسبة أكثر من 50 في المئة والجرعة المتوسطة الواصلة إلى الثدي بنسبة 70 في المئة.

لهذا السبب، يعتقد أن مرضى لمفومة هودجكن سيكون لديهم مخاطر أقل بكثير من أمراض القلب والسرطان الثانوي مع المعالجة بالبروتون مقارنة مع ما لوحظ في الماضي مع العلاج الشعاعي التقليدي.

hodgkin1

ما الذي يمكن توقعه !؟

يتم تصميم العلاج لكل مريض على وجه التحديد بما يناسب حاجاته. وهناك تعاون وثيق بين المرضى والأطباء لوضع خطة علاج شخصية. أما عدد ومدة جلسات العلاج تختلف، تبعا لحالة السرطان.

تعتمد استجابة المرضى على العديد من العوامل، بما في ذلك أنواع علاجات السرطان التي يتلقونها.

كثير من المرضى يبدي تحملا مع المعالجة بالبروتون بشكل جيد و يمكنهم الاستمرار في أداء نشاطاتهم اليومية. ومع ذلك، فالاستجابات الفردية تتفاوت.

ميزات معالجة السرطان بالبروتون

على الرغم من أن المعالجة بالبروتون هي جديدة نسبياً، أظهرت التجارب السريرية لـ لمفومة هودجكن مؤشرات ممتازة لمكافحة المرض وأقل ما يمكن من الآثار الجانبية بالمقارنة مع الأشكال التقليدية للعلاج. كما يقدم العلاج بالبروتون عدداً من الفوائد المقنعة الأخرى:

1. غير مؤلمة ولا تتطلب جراحة أو إدخال أدوات طبية في الجسم.

2. فعالة جدا لمعالجة المراحل المبكرة من السرطان.

3. توفر المعالجة فترة نقاهة سريعة وآثار جانبية أقل بكثير من العلاج الشعاعي التقليدي.

4. أكثر دقة ومضبوطية من العلاج الشعاعي التقليدي حيث يمكن التحكم بشكل دقيق بحزمة البروتونات وعمقها داخل الجسم.

5. أضرار تجميلية أقل كما في حالة سرطان الثدي وخاصة في المراحل المبكرة.

6. تأثير شبه معدوم على نشاط وحيوية المريض حيث بإمكانه متابعة يومه بشكل طبيعي بعد انتهاء جلسة العلاج

 

عزيزي القارئ: يسعدنا أن نتلقى أية ملاحظة تراها مفيدة